كما هو معلوم لديكم ان فكر ابن تيمية الحراني انتشر في فترة من الفترات وتاثر به عدد من العلماء من جميع التيارات والمشارب وممن تاثر بذلك الفكر السيد العلامة ابن الامير الصنعاني رحمه الله وو جدت له كلاما في كتابه سبل السلام فاحببت ايراده مع بعض النقد له وان كان السيد العلامة ابن الامير الصنعاني ممن له اليد الطولى في العلوم فقال رحمه الله :
في صفحة (246) من الجزء الثاني من سبل السلام في حديث: ((لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) قوله بضم الدال المهملة على أنه نفي ويُروى بسكونها على أنه نهي... انتهى قلت: يقال: هذا وهم عجيب فإن المضعف لايصح تسكينه ولايستقيم لالتقاء الساكنين، وإن كان نهياً فإنما يكسر للتخلص من الساكنين أو يفتح للتخفيف، وإن كان ماقبل المضعف مضموماً جاز ضمه للاتباع مثل: لم يمد. وقوله في ذلك الصفح: ودل بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال .. الخ. قلت: يقال: العجب كل العجب من هذا الاستدلال وهذا الإعمال البعيد عن التحقيق والاعتدال، ويقال عليه: أولا: إن الخبر محتمل للنفي كما سبق لك بل هو الرواية الظاهرة بضم الدال ومع ذلك فلادلالة على التحريم أصلا ويكون المعنى فيه المبالغة، فهو من الحصر الإدعائي فكأن شد الرحال إلى غير الثلاثة المساجد كلا شد فيكون لنفي كماله في الفضيله أو نحو ذلك، ولايجوز حمله على أنه في معنى النهي لما سيأتي، ثانياً: وأنه وإن فرض احتماله للنهي فلااستدلال بمحتمل. ثالثاً: أنه وإن كان للنهي فهو محمول على أنها لاتشد الرحال إلى شيء من المساجد إلا إلى الثلاثة لا أنها لاتشد الرحال على الإطلاق والعموم إلا إلى ثلاثة مساجد، لما علم قطعاً أنها تشد الرحال إلى الجهاد وإلى الهجرة وجوباً وإلى غيرهما جوازاً، هذا معلوم من الدين ضرورة. وانظر إلى تمثيله بقوله: كزيارة الصالحين إلى آخره. قلت: ماهو المخصص لما ذكر وأن يكون لقصد ولقصد، والحديث يفيد العموم والأخبار الواردة في الحث والترغيب على زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وزيارة الصالحين أحياء وأمواتاً أكثر من أن تحصر وإن أنكرها بعض المنكرين، ولو لم يكن من ذلك إلا فعله صلى الله عليه وآله وسلم في زيارة أهل البقيع وأهل أحد، وتعليمه صلى الله عليه وآله وسلم للزيارة المخرجة في كتب العترة وصحاح العامة، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في القبور: ((ألا فزوروها)) الخبر الصحيح بالإجماع، والعجب ممن يزعم كراهية التصريح بزيارة القبر مع ورود التصريح به في الألفاظ النبوية كهذا الخبر الصحيح المروي في الصحاح وغيرها، وذلك يصلح لصرف ذلك الخبر الآحادي عن ظاهره لو كان له ظاهر وينهض لتأويله، وأن مثل هذا لايخفى على أمثال هذا العالم النظار، ولكن لهوى النفوس سريرة لاتعلم، والله تعالى ولي التوفيق ....
ودمتم سالمين